في مسار الجماعات المتطرفة والمنغلقة، تأتي لحظة الاعتراف دائمًا متأخرة، بعد أن تكون الأوهام قد ترسخت، والفرص قد ضاعت. وحين تبدأ الحقيقة في الظهور، تنهار الصورة التي بنتها هذه الجماعات لتبرير نفوذها وإقناع أتباعها بشرعيتها. في هذا السياق، جاءت اعترافات القيادي الإخواني مراد محمد علي، المستشار الإعلامي السابق لحزب "الحرية والعدالة" المنحل، لتكشف عن كواليس ما دار بين كبار قيادات التنظيم داخل السجون حول تجربتهم في الحكم.

في الخامس والعشرين من يناير 2026، كتب القيادي الإخواني مراد محمد علي منشورًا عبر الفيسبوك، يعترف فيه بأنه خلال شهر يناير 2015 شارك داخل السجن في ورشة عمل مع آخرين من قيادات الجماعة لإعادة قراءة ما جرى في يناير 2011، وأسفرتِ المداولات عن الإقرار بأن قيادات الجماعة كانت تعاني من قصور في فهمها لطبيعة الدولة المصرية.

كما أقر بأن ما كان يسمى "القوى السياسية" كافة، بما فيها "الإخوان"، افتقروا إلى كثير من المعارف والهارات والخبرات اللازمة لإدارة الدولة المصرية. وعندما ركزتِ القوى المختلفة على هدف إسقاط الرئيس مبارك، لم تكن لديهم خطة تفصيلية لكيفية إدارة الدولة أو بديل اقتصادي وسياسي جاهز للتطبيق.

لعل الأكثر إثارة في هذه الرواية هي أسماء المشاركين في تلك الورشة: خيرت الشاطر، وعصام العريان، وحسام أبو بكر، ورشاد بيومي، وسعد الحسيني، ومصطفى الغنيمي، وأيمن هدهد، وأسعد الشيخة، وآخرون. باختصار، هم نُخبة "فريق مرسي الرئاسي"، وصفوة قيادات مكتب الإرشاد، الذين اكتشفوا متأخرين أنهم لم يفهموا الدولة التي أرادوا قيادتها.

هذه الاعترافات هي نعي ذاتي متأخر لمشروع إخواني مات في المهد، صاغته عقود من العزلة الفكرية والاستعلاء الإيماني والسياسي. الاعتراف بأنهم كانوا يفتقرون إلى "المعارف والمهارات والخبرات اللازمة لإدارة الدولة" هو إعلان إفلاس لتلك الدعاوى المتغطرسة التي باعت الوهم للشعب تحت مسمى "مشروع النهضة".

لقد اختزلوا الدين في جماعتهم، والسياسة في الهيمنة، وكانتِ النتيجة انهيارًا حتميًّا، ثم اعترافات صريحة متأخرة تنعي تجربة كان الفشل مكتوبًا عليها منذ البداية، لأنها قامت على أوهام كبرى، وخدعة كانت مكشوفة لكل مَن يعرف حقيقة التنظيم الإخواني.