تُشكّل المؤشرات الاستخباراتية خطَّ الدفاع الأولَ في حماية أمن السفارات والبعثات الدبلوماسية. ففي الهجمات المنظمة، لا تقع الاعتداءات على السفارات بشكل مفاجئ لسلطات الدول المضيفة، بل تسبقها إشارات وتحذيرات أمنية، تأتي من تقارير أجهزة الاستخبارات أو من خلال قراءات المشهد السياسي والاجتماعي. لذا، فإن الإخفاق في التحرك بناءً على هذه المؤشرات يُعَد دليلاً على التراخي، وقد يصل إلى الاتهام بالتواطؤ الضمني، وهو ما يُعرّض الدولة المضيفة لمسؤولية قانونية دولية، ويُهدد مكانتها ومصداقيتها أمام المجتمع الدولي.

تتحوّل المعلومات الاستخباراتية غير المستثمَرة من أداة وقاية إلى قرينة إدانة. فعندما يُعتدى على سفارة كانت معرّضة للتهديد، وكان هناك وقت كافٍ لاتخاذ تدابير الحماية، تصبح الدولة المضيفة طرفًا مسؤولاً عن انتهاك التزاماتها، وفقًا لما نصّت عليه اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961.

وفي سابقة تُعَد من أخطر انتهاكات القانون الدولي، اقتحم مئات الإيرانيين مقر السفارة الأمريكية في طهران بتاريخ 4 نوفمبر 1979، واحتجزوا 52 دبلوماسيًّا وموظفًا أمريكيًّا كرهائن، في انتهاك صارخ لكل قواعد العلاقات الدولية. وقد استمرتِ الأزمة لأكثر من 400 يوم، إلى أن تم الإفراج عن الرهائن في 20 يناير 1981، لتُطوى بذلك واحدة من أطول وأشد الأزمات الدبلوماسية توترًا في القرن العشرين.

لجأتِ الولايات المتحدة إلى محكمة العدل الدولية، التي أصدرت في 24 مايو 1980 حكمًا نهائيًّا حمّلت فيه إيران المسؤولية الدولية الكاملة عن الاعتداء، استنادًا إلى اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961.

وقد اعتبرتِ المحكمة أن السلطات الإيرانية لم تتخذ أي تدابير لمنع الهجوم، رغم توافر مؤشرات استخباراتية، وامتنعت عن التدخل أثناء وقوعه، وأظهرت دعمًا سياسيًّا واضحًا لمنفذيه. وبناءً على ذلك، رأتِ المحكمة أن إيران انتهكتِ التزاماتها الدولية بوضوح، وخرقت حصانة السفارة وحصانة موظفيها، وألحقت أضرارًا جسيمة بعلاقاتها الدبلوماسية.

بموجب القانون الدولي، وتحديدًا اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961، تقع على عاتق الدولة المستضيفة مسؤولية غير مشروطة عن حماية السفارات ومقارّ القنصليات التابعة للدول الأخرى، وتحديدًا: المادة 22 تنص على أن مباني البعثة لا يجوز انتهاك حرمتها، والمادة 29 تؤكد أن شخص المبعوث الدبلوماسي مقدّس.

ما يميّز هذا الإطار القانوني هو أنه لا يشترط وقوع الضرر الفعلي، بل يُحمّل الدولة المسؤولية لمجرد عدم اتخاذ "جميع التدابير المناسبة" للحماية. أي أن النية الحسنة لا تكفي، بل يجب أن تكون هناك إجراءات عملية استباقية، خاصة عند وجود إشارات استخباراتية أو تصعيد حملات تحريض ممنهجة.

غير أن التظاهر قرب أو أمام السفارات يُعَد حالة حساسة، كونه قد يتحول من وسيلة تعبير مشروعة إلى تهديد دبلوماسي صريح، لهذا تلجأ الدول إلى فرض ترخيص مسبق للمظاهرات وتنظيمها بتحديد المسافات الآمنة. وإذا تجاهلتِ الدولة المضيفة هذه الإجراءات ووقعت أعمال عنف، فإنها تتحمّل مسؤولية مباشرة.

من الخطأ الاعتقاد أن مسؤولية الدولة تنتهي عند حدودها السيادية، فالقانون الدولي يضع على عاتق كل دولة واجبًا دوليًّا في حماية أمن البعثات الأجنبية، ويُحاسبها إن قصّرت في اتخاذ ما يلزم من إجراءات. إن التزامات الدول لا تُقاس فقط بردود الفعل بعد وقوع الحوادث، بل تبدأ منذ اللحظة التي تلوح فيها المؤشرات الأولى للخطر.