لا يمكن قراءة المشهد الراهن داخل أروقة تنظيم "الإخوان" الإرهابي بمعزل عن تلك اللحظة التي قرر فيها أن يرفع سقف الأوهام إلى أعلى طبقات فضاء الكذب والخداع فوق منصة "رابعة". لم تكنِ الجماعة تدير اعتصامًا سياسيًّا، ولكن كانت تسعى لتصدير صورة "مدينة فاضلة" معزولة عن الواقع.
كان التسويق الممنهج لتلك الحالة يعتمد على "المقدس" لا "السياسي"، فالمعتصمون هناك ليسوا مجرد أنصار لتنظيم سقط عن الحكم، ولكنهم - وفق زعمهم - "المجتمع الرباني" الذي يتنزل بينهم جبريل. كان الهدف واضحًا: إضفاء صفة "الفريضة الدينية" على معركة البقاء السياسي.
من "الخلافة" إلى "الارتزاق"
بعد الرابع عشر من أغسطس 2013، وفضِّ التجمعات التي تحولت إلى بؤر مسلحة، تفرَّق هذا الجمع ولحقوا بذيول القيادات في "دول الملاذ الآمن". هناك، بدأت رحلة إعادة تدوير الأساطير، وزعموا أن العواصم التي استقبلتهم هي "دار هجرة" مؤقتة، استعدادًا لعودة مظفرة.
باسم "أسر المحبوسين" تدفقت أموال التبرعات، ولكن تحت هذه القشرة من الورع المصطنع، كان هناك "عفن سرطاني" يتسلل إلى العظام. خلف الأبواب المغلقة، لم تكنِ النقاشات تدور حول الفكر، ولكن حول تقسيم الغنائم وانفجرتِ الخلافات كجرح غائر.
العمالة تحت ستار الدين
انفجرت سلسلة من الفضائح التي كشفت عن وجه "شيطاني"؛ بدأنا نسمع عن اتهامات التحرش، والشذوذ، والنصب والاحتيال، وتزوير وثائق لتمكين عناصر خطرة من التنقل. تَحول "الجهاد" إلى "سبوبة"، حيث يتم التربح من تهريب الإرهابيين وتقاضي عمولات ضخمة.
الأكثر إيلامًا كان الكشف عن نهب مئات الآلاف من الدولارات المخصصة لأهالي السجناء، بينما كانت تذهب لتمويل حياة الرفاهية لبعض القيادات. وصلتِ الوقاحة إلى حد التلاعب بأموال مخصصة لإغاثة ضحايا الحرب في غزة، وتوظيف القضية الفلسطينية كدجاجة تبيض ذهبًا.
فضيحة يناير 2026
مع بدايات شهر يناير 2026، انفجر بركان كان خامدًا لسنوات. سقط قناع "الوجه النبيل" عندما خرجت أصوات نسائية من داخل الكيانات الإخوانية بصرخات مكتومة تحولت إلى طوفان من الشهادات. الاتهام كان صادمًا: ابتزاز جنسي مقابل صرف المساعدات المالية.
رد فعل القيادة الإخوانية كان أكثر خزيًا، فبدلاً من المحاسبة، تحركت آلة "الاحتواء" للتغطية على فضيحة "الشخصية الكبيرة"، وساد صمت القبور بين الشيوخ الذين طالما صدعوا الرؤوس بشعارات الفضيلة.
انهيار النموذج ونهاية الأسطورة
لقد استيقظ المتعلقون بقناع الفضيلة الزائفة على واقع مرير. رحلة الجماعة من "المدينة الفاضلة" المزعومة في "رابعة"، وصولاً إلى "مستنقع الفضائح" في الخارج، هي قصة تحول دراماتيكي كشفت أن "قناع الربانية" كان مجرد ساتر لهشاشة تنظيمية قديمة.
اليوم، يعيش الكثير من الشباب حالةً من الصدمة الوجودية؛ الصدمة في اكتشاف أن "القداسة" التي بايعوا عليها كانت محض وهم، وأن "القادة الربانيين" شياطين تملكتهم الأهواء والشهوات الجامحة.