بعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي حاضرًا بقوة في فضاء التحليل السياسي والاقتصادي، ولم يعد مجرد أداة تقنية لجمع البيانات وتنظيمها، بدأ بعض الباحثين يتعاملون معه كمرجع شبه نهائي لتفسير الواقع وتوقع المسارات المستقبلية.
وهذه الثقة المفرطة دفعت عددًا من مراكز البحث المستقلة إلى التحذير من تحول الباحث المتخصص إلى مجرد ناقل لما تنتجه الخوارزميات، وجامعٍ لـ«مخلّفات رقمية» قد تضر أكثر مما تنفع. فما هي المخاطر التي يفرضها هذا الاعتماد غير النقدي على الذكاء الاصطناعي في تحليل سياسات الاقتصاد والدولة؟
تبدأ خطيئة «التضليل الخوارزمي» من فرضية خاطئة مفادها أن البيانات مادة خام محايدة، ففي الواقع، ليستِ البيانات التي تعتمد عليها نماذج الذكاء الاصطناعي في التحليل السياسي والاقتصادي سوى نتاج قرارات بشرية سابقة، تتضمن اختيارات وتصنيفات واستبعادات وصياغة مؤشرات.
وفي المجال الاقتصادي، يظهر قصور الذكاء الاصطناعي بوضوح فيما يمكن وصفه بـ«الاختزال الرقمي»، فالآلة تستطيع التعامل مع أرقام التضخم والنمو والدين العام بسرعة ودقة، لكنها تظل عاجزةً عن إدراك ما تعكسه هذه المؤشرات في الحياة اليومية للناس.
ومن أخطر مظاهر الاعتماد غير النقدي على الذكاء الاصطناعي في التحليل السياسي والاقتصادي سهولة توجيه نتائجه عبر ما يُعرف بـ«هندسة الأوامر»، فالمحلل الذي يصوغ أسئلته بصورة انتقائية يستطيع توجيه الخوارزمية لإبراز سياقات تاريخية محددة، مع إغفال سياقات أخرى لا تتماشى مع النتيجة التي يسعى إليها.
وتزداد خطورة هذا النمط من التحليل مع ما يُعرف بظاهرة «الصندوق الأسود». فعندما يقدم محلل بشري استنتاجًا خاطئًا، يمكن تتبع منطقه ومناقشته ونقده. أما الخوارزمية، فغالبًا ما تقدم النتيجة مجردة من مسار تحليلي واضح.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في وهم الموضوعية الذي يحيط به. فالذكاء الاصطناعي في السياسة والاقتصاد ليس حكمًا مستقلاً، وإنما مرآة تعكس طبيعة البيانات التي وُضعت أمامه.
وتتحول هذه الركاكة من مجرد ضعف أسلوبي إلى خطر حقيقي عندما تُستخدم في الدعاية السياسية. فالمسؤول الذي يثق بهذه القوالب، التي تُقدَّم على غير الحقيقة بوصفها مقالات بحثية، قد يتخذ قراراته بناءً على أوهام إحصائية وسموم معلوماتية تحجب عنه الواقع الميداني.
من هنا، يصبح إنقاذ التحليل السياسي والاقتصادي ضرورة لا تحتمل التأجيل. المطلوب ليس رفض التقنية في حد ذاتها، وإنما استخدامها في إطارها الصحيح كأداة مساعدة، لا كمرجع نهائي يعلو على التحليل البشري.